السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

82

مفاتيح الأصول

اللفظ يريدون به معنى ترجح عنده كونه حقيقة له موضوعا بإزائه وكل من حصل لغة لم يرد على أن تصفحها وتتبع باستعمالات أهلها وادعاء توقفهم في الحكم بالوضع إلى ظهور النّص أو شيء من الأمارات المقرّرة غير مسموع الرابع ما ادّعاه بعض من أن اللَّفظ متى لم يستعمل إلَّا في معنى واحد كان المتبادر منه ذلك المعنى عند الإطلاق إذ ليس هناك معنى آخر بالفرض حتى يسابقه في الفهم وتبادر المعنى دليل الحقيقة وكذا الكلام فيما استعمل في معان وشكّ في مجازية واحد منها وعلم مجازية الباقي وفيه نظر الخامس ما تمسّك به بعض من أن اللَّفظ إذا استعمل في المعنى ولم يظهر أنّه باعتبار القرينة فالأصل أن لا يكون باعتبارها لأنها حادثة والأصل عدمه لا يقال هذا معارض بأصالة عدم الوضع للمعنى المفروض لأنه حادث والأصل عدمه لأنا نقول أصالة عدم الوضع للمعنى المفروض معارضة بأصالة عدم الوضع لغيره لأنّه أيضا حادث والأصل عدمه فيبقى أصالة عدم القرينة هنا سليمة عن المعارض نعم قد يناقش فيها بأنه لا يحصل منها العلم أو الظن بالوضع للمعنى المفروض فلا تكون حجّة في نحو المقام فتأمل السّادس ما تمسّك به بعض من أن من لوازم الحقيقة وجوب حمل اللَّفظ عليه عند الإطلاق وهو هنا متحقق لأن هذه اللَّفظة إذا أطلقت وجب حملها على هذا المعنى المشكوك في كونه حقيقة ومجازا لأنّه إمّا أن لا تحمل على شيء أو تحمل على غير هذا فالأوّل باطل جدا وكذا الثّاني لأنه لو فرض حملها على غير هذا المعنى لزم استعمالها في غيره وتعدد المستعمل فيه المشكوك في كونه حقيقة ومجازا والفرض خلافه فثبت وجوب الحمل على المعنى المفروض وهو من لوازم الحقيقة ووجوب اللازم يستلزم وجود الملزوم وفيه نظر لأن من لوازم الحقيقة الحمل مجردا عن القرينة وهنا القرينة العقلية موجودة وهي العلم بوحدة المستعمل فيه ثم إن هذه إنما تكون قرينة لو علم بأنها لم تستعمل في اللَّغة العربيّة إلَّا في ذلك المعنى ولكن على هذا لم يبق للمسألة ثمرة تعتد بها وإنما الثمرة في المسألة تحصل لو علم بأن ذلك اللَّفظ لم يستعمل إلَّا في ذلك المعنى بالنسبة إلى الصدر الأوّل من أهل اللَّغة دون جميع أهل اللَّغة لأنه حينئذ يحصل الشك في حمل اللَّفظ الصّادر من الصّدر الثاني على ذلك المعنى المستعمل فيه بجواز أن يكون حقيقيّا فيجب حمل إطلاق الصّدر الثاني عليه ويجوز أن يكون مجازيا فلا يجب أن يحمل إطلاق الصّدر الثاني عليه لجواز استعماله عند هؤلاء في المعنى الموضوع له وإن لم يستعمله فيه أهل الصّدر الأوّل الثالث إذا استعمل اللَّفظ في معنى وشكّ في كونه حقيقة أو مجازا وفي استعماله في معنى آخر يحتمل كونه حقيقة ومجازا فهل يلحق بالصّورة الثّانية لأصالة عدم الاستعمال في غير ذلك المعنى أو لا إشكال الرابع إذا استعمل اللَّفظ في معنى وعلم أو ظن بالظن المعتبر أنّه ليس من جهة القرينة أوليس من جهة العلاقة فلا ريب في أنّه معنى حقيقي مطلقا ووجهه واضح الخامس إذا استعمل لفظ في معنيين وعلم أنّه في أحدهما حقيقة وشك في كونه حقيقة في الآخر ولكن كثر استعمال اللَّفظ المزبور فيه فهل كثرة الاستعمال من دلائل الحقيقة أو لا ربما يستفاد من المحكي عن طائفة الأوّل والأقرب عندي الأخير لأن كثرة الاستعمال كما توجد في الحقيقة كذا توجد في المجاز فيكون أعمّ منهما والعام لا يدلّ على الخاص كما صرّح به في النهاية والإحكام وهو ظاهر المعالم لا يقال إذا كان المعنى الَّذي كثر استعمال اللَّفظ فيه مجازا لزم الحكم بكثرة القرائن لأن المجاز لا يستعمل إلَّا مع القرينة وذلك مشكوك فيه فالأصل عدمه لأنا نقول هذا على تقدير صلاحيته لإثبات الوضع معارض بأصالة عدم الاشتراك في جملة من الصّور وبأصالة عدم النقل في جملة أخرى كما لا يخفى ولا يبعد دعوى ترجيح الآخرين وكما لا يكون كثرة الاستعمال دليل الحقيقة كذلك قلَّته لا تكون دليل المجاز كما صرّح به في العدّة لأنها يوجد فيه في الحقيقة فيكون أعم منهما والعام لا يدل على الخاص كما أشرنا إليه لا يخفى أن صحة الاستعمال وعدمها كصحّة العبادات والمعاملات وعدمها فكما أن صحتهما من الأمور التّوقيفية ويتوقف الحكم بها على حكم الشّارع وبدونه يحكم بالفساد وإذا حصل الشّك فيه يجب أن لا يحكم بالصّحة بل يجب أن يحكم بالفساد وأنّه يكتفي في معرفة الحكم بالصّحة بالدليل الظَّني المعتبر عامّا كان أو خاصّا فكذلك صحة الاستعمال وجميع مطالبه اللغوية من الأمور التّوقيفية ويتوقف الحكم بها على حكم أهل اللَّغة وبدونه يحكم بالفساد وإذا حصل الشّك يجب أن لا يحكم بالصحة بل يجب أن يحكم بالفساد واكتفي في معرفة الحكم بالصحّة هنا بالدليل الظني المعتبر عاما كان أو خاصا ومنه الاستقراء هنا فإنه حجّة هنا قطعا وإن كان في حجيّته في إثبات الحكم الشرعي إشكال ثم إنّه لو قلنا بأن قبح الاستعمال لا يمنع من الصّحة لغة فلا إشكال في أنّه لا يمكن تنزيل خطاب الشرع عليه مطلقا فلو ورد رواية مشتملة عليه وجب طرحها وإن كانت صحيحة أو تأويلها بما يرتفع معه القبح وإن كان بعيدا وإذا دار الأمر بين التأويل البعيد والطَّرح ففي الترجيح إشكال والأقرب اعتبار ما يكون أقوى ظنا وأمّا إذا كان خطاب غير الشّرع مشتملا عليه كخطاب الموكَّل والموصي والمقر ونحوهم ففي لزوم التّأويل ورفع القبح أو الأخذ بالظاهر القبيح إشكال والأقرب ملاحظة العادة مفتاح إذا أطلق أهل اللَّسان والعرف لفظا على معنى معتقدين أنّه الموضوع له أو أحد أفراده وكانوا عالمين بذلك المعنى غير جاهلين به كما في إطلاقهم لفظ الدّابة على ذات القوائم الأربع فلا إشكال في لزوم الحكم بكون ذلك اللَّفظ موضوعا لذلك المعنى